المناوي

24

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

ومنهم : من ينطق بالكون قبل أن يكون ، والإخبار بالمغيّبات قبل حصول أعيانها في الوجود ، وهو عندهم على ثلاثة أضرب : إلقاء ، وكتابة ، ولقاء ، وكان بقيّ بن مخلد يجمعها . ومنهم : من يكشف له عن عالم الحيرة ، والقصور ، والعجز ، وخزائن الأعمال . ومنهم : من يرفع له عن الجنان ، ومراتب درجاتها ، وجهنّم ومراتب دركاتها ، وتفاضل عذابها . ومنهم : من يرفع له عن صور بني آدم ، وستور ترفع ، وستور تسبل ، ولهم تسبيح مخصوص يعرفه إذا سمعه . قال ابن عربي رضي اللّه عنه : وقد عاينّا ممّن هذه صفته جماعة ، ومن هذا ينتقلون إلى مقام كريم يقولون للشّيء كن فيكون بإذن اللّه ، وهذا مقام كريم جدا ، ومشهد عظيم إلى الغاية القصوى ، قال روح اللّه عيسى عليه الصّلاة والسّلام : وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ [ آل عمران : 49 ] ، وليس في قضيّة العقل ببعيد أن يكرم اللّه وليّا بهذه الكرامة ويجريها على يديه ، فإنّ كلّ كرامة ينالها وليّ فشرفها راجع إلى النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم فإنّه باتّباعه ، ووقوفه عند حدوده صحّ له ذلك ، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء : فمنهم : من يجيز معجزة النّبيّ كرامة للوليّ ، ومنهم من ينفيه ، ومنهم من يثبت كلّ كرامة ليست بمعجزة للنّبيّ ، قال ابن عربي رضي اللّه عنه : وأمّا أصحابنا فلا يمكنهم إنكار ذلك لمشاهدتهم إيّاها في أنفسهم ، وفي إخوانهم ، فهم أصحاب كشف لها وذوق ، ولو ذكرنا ما بلغنا وشاهدنا من ذلك لبهت السّامع ودهش ، وقد رأيت بعض فقهاء زماننا يقول : لو عاينت ذلك على يد أحد قلت : إن طرأ فساد في دماغي ، مع جواز ذلك عندي ، وإنّ اللّه إذا شاء يجريه على يد من يشاء ، فانظر ما أكثف حجابه ! . ومنهم : من يرتقي إلى عالم الغيب فيشاهد اليمين ما سكة قلمها وهي تخطّط العالم في لوح الوجود المحفوظ حرفا حرفا مشكولا منقوطا لتمييز الحقائق بين